صفحتنا على فيسبوك  |  Email

 moner كتب "رواية" سَمَرٌ عَرَبِيٌّ في حَيٍّ يَهُودِيّ - الفصل السادس من رواية مذكرات أسير

 

رواية مذكرات أسير

الرواية مُهداة إلى  : 

- الخالد في قلبي وفكري

القائد الراحل حافظ الأسد

- البشار المُفدَّى رمز الصمود وقائد مسيرة التطوير والتحديث

الدكتور بشار حافظ الأسد

- الرمز الذي أراه يفتح بوابة الأقصى وقد طهَّره من دنس المحتل

سماحة السيد حسن نصرالله

- الفارس العربيّ الحرّ وئام وهاب
- شهيد العروبة والإسلام الشهيد عماد مغنيه
- شهيد العرب جول جمَّال

الفصلُ السادس

سَمَرٌ عَرَبِيٌّ في حَيٍّ يَهُودِيّ
 

المنزلُ اللبنانيّ كالفلاّحِ اللبنانيّ ، هو جزءٌ من الأرضِ والطبيعة ، إنَّهُ ابنُ الأرضِ والطبيعة .

 

سَمَرٌ عَرَبِيٌّ في حَيٍّ يَهُودِيّ

- 1 -

بَعدَ حوالي رُبعَ ساعةٍ تَوقَّفَتْ بنا السَّيارةُ ، طَلَبَ مِنَّا الشَّخصُ الذي كانَ يقودُها التَّرجُّلَ ، فتَرَجَّلنا ، فسارَ أمامَنا ودَخَل البابَ الخارجيَّ لِبُرجٍ مُؤلَّفٍ من سَبْعَةِ طوابق ... دَخَلَ المَصعدَ وطلبَ الرَّقمَ سَبْعَةَ .

في الطَّابِقِ السَّابِعِ عَرَّجَ على بابِ إِحدى الشِّققِ بِثقةٍ كَما لو كانَ مالِكَها ... فَتَحَ البابَ بِمفتاحٍ أَخرَجَهُ من جَيبِهِ ، دَخَلْنا خلفَهُ ، أَغلَقَ المُستَخْدَمُ البابَ .

لمْ يَكُنْ جَهلي بما يَجري يُرهِقُني أَكثرَ من فُضولي لِمعرِفَةِ الشَّخصِ الذي أَتى بِنا إلى هُنا... إِنَّهُ الشَّخصُ الذي صافَحَني وهو يَخرُجُ من بابِ المَطارِ، وَيَدُسُّ في جَيبي القِطعةَ البِسكويتيَّةَ المَحشوَّةَ بقصاصةٍ وَرَقيَّةٍ ...لَوْ لَمْ أَرَهُ لَقُلْتُ إنَّهُ صاحِبُ الكَفِّ الدَّافئِ، فهو يُشبِهُهُ في كُل شيءٍ إلا لونَ عيْنيهِ ومعالمَ وجهِهِ .

 
- 2 -

أجريتُ مَسحاً بصريَّاً سريعاً للمنزل ، لا شيءَ فيهِ يُذكِّرُني بدفءِ المنزل اللبنانيّ ، فالمنزلُ اللبنانيُّ يتمتَّعُ بخصوصيَّاتٍ تُميِّزُهُ عن غيره ،بسبب العامل الجغرافيّ والطبيعيّ والمناخيّ والتاريخيّ .

أجل . المنزلُ اللبنانيّ كالفلاّحِ اللبنانيّ ، هو جزءٌ من الأرضِ والطبيعة ، إنَّهُ ابنُ الأرضِ والطبيعة .

المنزلُ اللبنانيّ تُزيِّنُ جدرانَهُ لوحاتٌ كبيرةٌ نُقشَتْ عليها آياتٍ قرآنيَّة ، وأخرى نُقِشَتْ عليها أقوال السيد المسيح .

هذا فضلاً عن اللوحاتِ الزيتيَّةِ التي تُجسِّدُ إرثَنا الأثريّ الحضاريّ ومعالمنا السياحيَّة، كَقلعَةِ طرابلس، وقلعَةِ جبيل ، وقلعَةِ بعلبك ، وقلعَةِ عنجر، وقلعَةِ صيدا، وقلعَةِ صور ، وقلعَةِ الشقيف ، ومغارةِ جعيتا، وصخرةِ الرَّوْشة، وقصر بيت الدّين، وقصر موسى، والمتحفِ الوطنيّ ، وغيرها الكثير .

- 3 -

تساءَلْتُ إنْ كانَ التَّمَسُّكُ بالتاريخِ والأصالَة ، والتَغَنِّي بأمجادِ السَّلَفِ ميزةً للعربِ وحدهُم ؟ وهل تدخُلُ هذهِ الميزةُ في بابِ عُيوبِنا ؟ أمْ أنَّها مِنْ مَحاسِنِنا التي نُحْسَدُ عليها ؟! .

لم يكُنْ تَساؤلي استفساراً واستفهاماً بلْ كانَ دهشةً وتعجُّباً .

أجَلْ . إنَّهُ لَفخرٌ لنا أنْ نتمسَّكَ بأصالتِنا وأنْ نتغنَّى بأمجادِ سلفِنا، وإنِّي لأَعْجَبُ كيفَ يلهَثُ عُلماءُ الغَرْبِ وباحِثوهم لِدارسَةِ تاريخِنا والتَّنقيبِ عن آثارِ حضارتِنا أكثرَ مِن عُلمائِنا وباحِثِينا ، وأَعْجَبُ كيفَ أنَّ معظمَ مشاهيرِ فنَّانِيْهِم تخيَّلوا عُلماءَنا ومُفكِّرينا وشعراءَنا وأُدباءَنا فخلَّدوهُم رسماً ونحتاً كما أحبّوا أن يروهُم ، بينما لم يفعل الفنَّانونَ في وطننا العربيِّ فيرسموهُم كما هُمْ أو كما يجب أن تراهُمُ الأعيُنُ العربيَّة .

 إني لمُمتنُّ للفنان العالميّ ( ارتورو اورتيس ) الذي رَسَمَ ابنَ سينا وابنَ الفارِضِ والخليل بن أحمد الفراهيديّ وعنترةَ وامْرَأَ القيسِ والمتنبي وغيرَهُم ، رَسَمَهُم مُحافِظاً على سِماتِهِم العربيَّةِ الأصيلَة ، بدءاً مِنْ زيِّهِم العربِيّ وانتهاءاً بنظراتِهِم النقيَّةِ الثائِرة في آنٍ معاً ، رسمَهُم كما لَوْ أنَّهُ عاصرَهُم وعايَشَهُم ، رسمَهُم عَرَباً ولمْ يرسمْهُم (دونكيشوتاتٍ ) .

- 4 -

لمْ يَطُلِ اسْترسالي، ولَيْتَهُ حَصَل، فقد قاطَعَني صاحِبُ الكَفِّ الدَّافىءِ قائِلاً :

-       مرحباً بكَ في هذا الحيِّ اليَهودِيّ ) .

-       وهلْ تَواجُدُ اليهودِ هُنا كبيراً لِدرجَةِ التَّجَمُّعِ في حيٍّ واحد ؟

-        أجل ، فنسبَةُ اليَهودِ في النَّمسا هي 4.2% من مجموع السكّان .

-       وهلْ يُوجَدُ حيٌّ للمُسلمينَ أو للمسيحيِّين ؟

-       لا، ولكِنَّ النَّمسا مُتَعدِّدَةُ الأديانِ والمُعتقدات ، والمُسلمون يُشكِّلونَ نسبَةَ 4.7% ، والكاثوليك 74% ، إضافةً إلى أقلياتٍ من دياناتٍ أُخرى .

-       ولماذا اخترْتُم استئجارَ هذا المنزِلِ في هذا الحي؟

-       لأنَّه لن يخطر بذهنِ المُوسادِ أنْ نَتواجَدَ فيْه ، وبالتالي فهوَ الأكثَرُ أمْناً لنا .

- 5 –

في غُرفَةِ الجُّلوسِ وقفَ شابٌّ لمْ أَرَهُ من قَبلٍ ، صافَحَهُ قائِدُ السيَّارةِ والمُسْتَخْدَمُ ... مَدَدْتُ يَدي مُسَلِّماً فَلَمْ يَمُدَّ يدَهُ , وإِنَّما طَوَّقَني بِكلتا ذِراعَيهِ وقَبَّلني قائِلاً:

- حَمداً للهِ على سلامَتِكَ أَيُّها البَطل .

هَمَمْتُ بالجلوسِ إِلا أَنَّ قائِدَ السيَّارةِ قالَ لي وهوَ يَفْتَحُ ذِراعيهِ :

-       وأَنا , أَلا يَحِقُّ لي أَنْ أُصافِحَ البَطَلَ ؟ .

انْفَرَجَتْ أَساريري التي انْقَبَضَتْ مُنذُ صُعودي مَعَهُ بالسيَّارةِ بِسَبَبِ تَجَهُّمِهِ المَشوبِ ببعضِ القَلقِ ... طَوَّقْتُهُ بِذراعيَّ وعانَقْتُهُ كَما لو كُنْتُ أَعرِفُهُ مُنذُ الوِلادةِ ... قُلْتُ في نَفسي وأَنا أَضُمُّهُ وأُعانِقُهُ :

-       يا اللهُ حتى بِطريقَةِ ضَمِّهِ لي ودِفءِ عِناقِهِ يُشبِهُ صاحِبَ الكَفِّ الدَّافِئِ .

- 6 –

كانَتْ تَنْبَعِثُ مِنَ المَطبَخِ روائِحُ يَسيلُ مَعَها لُعابي ... روائحُ لا يَخلو مِنها مَطْبَخٌ لبنانيّ ... ولو لمْ أَكُنْ في النِّمسا لَصَرَخْتُ بِدلالٍ :

-       أَلَمْ تَنضُج طَبْخَتُكِ يا أَمَّ ميخائيل ؟ ، أَكادُ أَموتُ جوعاً يا أُمَّاه .

كانَ الأَشخاصُ الثَّلاثَةُ يُحَدِّقونَ بي ... تَسَمَّرَ نَظَري بأَحدِهِمْ فَقَط ... ويَبدو أَنَّهُ شفقَ لِحالي فبعدَ أَنْ أَلقى التفاتَةً إلى الشَّخصينِ الآخرينِ وتَغامزَ الثَّلاثةُ بابتساماتٍ حنونَةٍ دافئَةٍ .

قالَ لي :

-       ألا تُريدُ أَن تَرى صاحِبَ الكَفِّ الدَّافِئ ؟ .

-       إذاً تَعرِفْهُ ... لقد راوَدَني هذا الظَنُّ والله ... بل كُنْتُ واثِقاً أَنَّكَ تَعرِفُهُ و...

قاطعَني الرَّجلُ قائِلاً :

-       أَلا زِلتَ تَحتَفِظُ بـ "الحصنِ الحَصيْن" ؟

-       هل حَدَّثَكَ عن هذا أيضاً ؟!

-       وحَدَّثَني أَيضاً عن هذا ...

ومَدَّ يَدَهُ إلى عُنقِهِ وأَخرَجَ من تَحْتِ قَميصِهِ السلسلةَ التي يَتَوسَّطُها الصَّليبُ ... فَقَفَزْتُ من مَكاني لأَرميَ بِنفسي بينَ يَديه كي أُقبِّلَهُ .

سادَ صَمْتٌ مَهيبٌ ، فبَكينا فرَحاً ، ومدَّ كفَّه الدافئَ ليَمسحَ دُموعي ، ثمَّ صَفَعَني مُمازِحاً :

-       كَفى وإِلا أَخرَجتُكَ منَ البابِ الخَلفيِّ لِلقاعةِ .

قلتُ لهُ :


أَكمَلَ قائِلاً :

    


ارتَفَعَتْ أَصواتُ أَربَعَتِنا في تَرتيْلٍ جَميل :

-       " مُنتَصِبَ القامَةِ أَمشي ... مَرفوعَ الهامَةِ أَمشي ... في كَفِّي قَطْفَةُ زَيتونٍ ... وعلى كَتِفي نَعشي ... وَأَنا أَمشي وَأَنا أَمشي " .

- 7 –

سَأَلت صاحِبَ الكَفِّ الدَّافِئِ :

-       هلا شَرَّفتَني بِمَعرفةِ جليسَيْنا ؟ ، فلا أَعرِفُ عَنْهُما شيئاً حتى الآنَ إلا أَنْ لديهِما " بُنٌّ أَسمر " .

ضَحِكَ صاحِبُ الكَفِّ الدَّافئِ وطَلَبَ مِنهُما أَنْ يُعرِّفاني بِنفْسَيْهِما بإِيجازٍ قَبلَ أَنْ يَحضُرَ الطَّعام .

فابْتَدَأَ مُسْتَخْدَمُ المُسْتَشْفى :

-       أنا طارقٌ مِن قريةِ بِنتِ جبيل اللبنانية ، أَظُنُّكَ تَعرِفُها ، وأَثناءَ الاجتياحِ الصهيونيِّ لجنوبِ لبنان، داهَمَتْ مَنزِلَنا عِصابةٌ مِنْ جنودِ الاحتلالِ وأَلقَتِ القَبضَ عليَّ وعلى شقيقيَ الأَصغَرَ ، والذي لمْ يَكُن قد تَجاوزَ الثَّالثة عَشرَة ، واقتادونا إلى ما كانَ يُعرَفْ في حينها بِمُعتَقَلِ الخَيَّامِ ، هذا المُعتقَلُ الذي أَنشأَهُ الاستعمارُ الفرنسيُّ عام 1933 ليكونَ ثكنَةً عسكريَّةً ومَقَرَّاً لهُ ، وبعدَ الاجتياحِ الإِسرائيليِّ لجنوبِ لبنانَ عام 1982 وسُقوطِ مُعتقلِ أَنصارْ عام 1985 ، تَمَّ استعمالُ الثكنةِ كَمُعتَقَلٍ بديلٍ عن معتقلِ أنصارْ وعُرِفَ بَعدَها بِمُعتَقَلِ الخيَّام ، استُشهِدَ شقيقي أَثناءَ التَّعذيبِ وأمامَ عينيَّ ولمْ أَتمَكَّنْ مِنْ مُساعَدَتِهِ في شيء ، أَمَّا أَنا فقد أَمضيْتُ أحَدَ عَشَرَ عاماً أُقارعُ الموتَ وأَدعو اللهَ ألا أَموتَ في سجونِهِم وأَنا أَعزَل ... أَتَضَرَّعُ إليهِ أَنْ يَهَبَني شَرَفَ الشَّهادةِ في ساحِ الجهادِ وقدِ استجابَ اللهُ دعائي وها أَنا ذا بينَكُم .

-       حَمداً للهِ على سلامَتِكَ .. ولكنْ لا أَظُنُّكَ عانيْتَ في هذا المُعتَقَلِ ما عانيتُهُ أنا ورفاقي في الزنزانَةِ الموساديَّة في فلسطين .

بل إِنَّ الزنزانةَ الموساديَّةَ نُزْهَةٌ إذا ما قيْسَتْ بِمُعتَقَلِ الخِيَّام ، يَكفي يا أخي أَنْ تَجِدَ بين المُحقِّقينَ في مُعتَقَلِ الخيَّامِ بعض اللبنانيِّينَ المُتصَهيِنينَ الذين رَضَعوا حليبَ العَمالَةِ في مَهدِهِم ؟ . أَليسَ ظُلمُ ذوي القُربى أَشَدَّ مَضاضَةً يا أخي ؟ ... لَقد كانوا يَقودونَنا إلى غُرَفِ التَّحقيقِ معصوبي الأَعيُنِ ، مُقيَّدي الأَيدي والأَرجلِ ... تَحبِسُ أَنفاسَنا أَكياسُ النَّايلونِ التي يَحشونَ رؤوسَنا بها ، كانَتْ شتائمُهُم أَشَدَّ إيلاماً من سياطهم ، لقدِ ابتَكَروا فُنوناً وأَساليبَ للتعذيبِ تَبدأُ بِتجويعِنا وجَلدِناوإِطفاءِ أَعقابِ سجائِرِهِم على أَجسادِنا العاريةِ والتَّبوُّلِ علينا ، وتَنتَهي بالصَّعقاتِ الكهربائيَّةِ ... كانوا يضعون الأَسلاكَ الكهَربائيَّةَ في كُلِّ أَعضائِنا بِما فيها الأعضاءُ التناسليَّةُ لِيَقضوا على مَقدِرَتِنا على إِنجابِ المُقاوِمينَ ، وقَد حَصَلَ ذلك لي ... كَانوا يَبصقونَ في أَفواهِنا المَفتوحَةِ عُنوةً ... كَانَ المُحقِّقُ بعدَ فَشَلِهِ في التَّحقيقِ مَعَنا يَأْمُرُ جنودَهُ فيأْخذونَنا و يَربطونَنا بِعَمودِ الكَهرباءِ عُراةً كَما وَلَدَتْنا أُمَّهاتُنا ووقوْفاً بِحيثُ كانَتْ أَصابِعُ أَقدامِنا هي الوَحيدةُ التي تُلامِسُ الأَرضَ ، وَيَسكبونَ على أَجسادِنا بَعضَ المُربَّياتِ ، لِتغدو أَجسادُنا العاريةُ مَرتَعاًَ للذُّبابِ والبَعوضِ ، وأَحياناً يُبقونَنا كذلِكَ لأَكثَرَ من أَربَعِ وعشرينَ ساعةً ، وعندَما كانوا يَفُكُّونَ قيودَنا كُنَّا نَسقُطُ على الأَرضِ ولا نَقوى على النُّهوضِ ، فَكانوا يَجُرُّونَنا بأَرجُلِنا على الأَرضِ ، وأَكثَرُنا كانَ يَقَعُ مُغْمىً عَليهِ ، فَيَتَبَوَّلُ أَحَدُهُم عليهِ بينَما يُدخِلُ الآخَرُ عَصاً أَو فوهةَ بُندقيَّةٍ في مُؤَخِّرَتِهِ ، وكَثيرٌ مِنَّا فَقَدَ ذاكِرَتَهُ ونَسيَ اسمَهُ ، وأَمَّا عنِ الحَمَّامِ الشَّهريِّ والوَجبَةِ اليَوميَّةِ الوَحيدةِ و ... و... و... والكثيرِ مِنَ الذلِّ والتعذيبِ ، أَرجو أَنْ تَعذُرَني فلا رَغبَةَ لي بِتَذَكُّرِها .

-        كَيفَ خَرَجْتَ مِنَ المُعتقلِ ؟

-        بعدَ عمليةِ أَنصاريا المُشرفةِ للمقاومَةِ ... بَدَأَ شُعاعُ الأَمَلِ يُشرِقُ في قُلوبِنا ، فَكانَتْ تَتَسَرَّبُ إلينا مَعلوماتٌ عنْ وجودِ مُفاوضاتٍ لِتَبادُلِ الأَسرى ، وعندَما أُنجزَتْ هذه المُفاوضاتِ خَرَجْنا بِسيارَةِ الصَّليبِ الأَحمرِ منَ المُعتَقَلِ لنَجدَ أَهلَنا يَستَقبلونَنا بالزَّغاريدِ ورشِّ الأرُزِّ والسَّكاكِرِ وسَطَ فَرَحٍ عارِمٍ بالنَّصرِ رُغمَ السَّنواتِ المَوؤدَةِ في سُجونِ الاحتلالِ .

-       وما الذي جاءَ بِكَ إلى فيينا ؟

تَبَرَّعَ لي الإخوةُ في المُقاومَةِ بِمَبْلَغٍ منَ المالِ وأَرسَلوني إِلى أَحَدِ المُستشفياتِ هُنا في فيينا ، لتُجرى لي عَمليَّةٌ جراحيَّةٌ ، بعدَ أَنْ أجرى أَحَدُ الأَطباءِ اللبنانيين استشاراتٍ معَ بروفيسورٍ نمساويٍّاختِصاصيٍّ بأَمراضِ العُقمِ والجهازِ التَّناسُليِّ ، وأَكَّدَ لَهُ هذا البروفيسورُ أَنَّ احتمالَ نَجاحِ العَمليَّةِ واستعادَتي لِرُجولَتي وخصوبَتي يَتَجاوَزُ الخَمسينَ بالمئَة .

-       وهَلْ أُجْرِيَتْ لَكَ العَمليَّة ؟ .

أَجَل ، ولكنْ لمْ يَأْذَنِ اللهُ بالشِّفاءِ ، فَحَمَدْتُهُ ونَذَرْتُ نَفسي قُرباناً على طريقِ الجهادِ ، وقدِ ارتَأَتْ قيادةُ المُقاوَمَةِ أَنْ أَبقى في فيينا لتَأدِيَةِ بَعضِ المَهامِ الجهاديَّةِ وساعَدَني صديقُنا (فريدمان موشيه) النِّمساويُّ الجنسيَّة بتأمينِ العَمَلِ في المُستشفى بِوَظيفَةِ مُسْتَخْدَمٍ في المَطبَخِ باعتبارِهِ المُشرفَ على المَطبَخِ .

-       ومَنْ هوَ " فريدمان مُوشيه " ؟

-       بَعْدَ قليلٍ تَتَعَرَّفُ إليه ، فهوَ يُعِدُّ لنا الطَّعامَ في المطبخِ وهو يعرِفُكَ من خلالِ حديثِنا عنْكَ ، وقد اختارَ لكَ طَبَقاً لُبْنانيَّاً تُحِبُّه .

-       وأينَ تُقيمُ يا أخي ؟

-       أُقيمُ أنا وخالِدٌ في هذِهِ الشّقَةِ التي اسْتأجَرَها لنا فريدمان .

-       ومَنْ هوَ خالِد ؟

ابْتَسَمَ الشَّخصُ الجالِسُ مَعَنا وقال :

-       أنا خالِدٌ يا أخي ميخائيل ، ولكِنْ لنْ أُحَدِّثَكَ شيئاً قبلَ تَناوُلِ طعامِ العَشاء .

- 8 –

دخلَ فريدمان وبيدِهِ مِنْسَفٌ مِنَ الأرُزِّ المُزَرْكَشِ بالصنَوبَرِ و يَعلوهُ الدَّجاجُ المُحَمَّر .

وضعَهُ على طاوِلَةِ السُّفْرَةِ ثُمَّ اتَّجَهَ إليَّ لِيُطوَّقَني ويُصافِحَني ، ثم تحدَّثَ بالألمانِيَّةِ معَ خالِدٍ الذي خَرَجَ وراءَهُ إلى المَطبخِ وعادَ بِطَبَقٍ مِن ( الحِمِّص " ، بينما عادَ فريدمان بطبقٍ من " التَبُّوْلَة " فَتَحلَّقَ الجميعُ حولَ المائِدَة .

سألني صاحبُ الكَفِّ الدافئ وهوَ يَفْسَخُ الدَّجاجَةَ بِكَفٍّ بارِدٍ :

-       منذُ متى لمْ تأكُلْ مِن هذِهِ الأصْناف ؟

-       بلْ قُلْ منذُ متى لمْ تَرَها ... مُنذُ أكثَرَ مِن سبعسَنَوات .

قالَ مُمَازِحاً فأضْحَكَ الجميع :

-       ويْحَكَ يا ميخائيل ! ، لماذا لمْ تَطْلُبْها لِكَي أُحْضِرُها لكَ عندما كُنْتَ في ضِيافَتِنا في الزنْزانَةِ المُوساديَّة ؟

لاحَظَ فريدمان أنَّني بَدأْتُ بِصحنِ " التَبُّولَةِ " ولَمْ أَمُدَّ يَديْ إلى الدَّجَاج ، فَظَنَّ أمْراً ، وتكلَّمَ معَ خالِدٍ بينما كانَ يضَعُ دَجاجَةً فوْقَ صَحنِ الأَرُزِّ الذي سَكَبَهُ لي .

لمْ يتمَكَّنْ خالِدٌ مِن إمْساكِ نَفْسِهِ عن الضَّحِك ... فَضَحِكَ طويلاً وضَحِكَ معَهُ طارِقٌ وصاحِبُ الكَفِّ الدَّافىءِ ... بينما بَقيْتُ مُنْدَهِشاً ، لا أدْري ما سِرُّ ضَحِكِهِم ... وكَمْ تَمنَّيْتُ لو أنِّي أُجيْدُ اللُّغَةَ الألمانِيَّة لأَفْهَمَ ما قالَهُ فريدمان موشيه .

أشارَ خالِدٌ إلى الدَّجاجاتِ وقالَ لي :

-       لا تَخْشَ يا أخي ميخائيل ، فذبْحُ الدَّجاجاتِ تَمَّ وِفْقَ الطَّريقَةِ اليهودِيَّةِ الإسْلاميَّة .

وعادَ الجميعُ للضَحِكِ ، وضَحِكْتُ مَعَهُم وقَدْ أَدركْتُ ما ظَنَّهُ صَديقُنا فريدمان .

وإلى اللقاء في الأسبوع القادم
مع الفصل السابع من الرواية
مع تحيات مجلة البيرق المقاوم

 

 

 

  ||  أرسلت في الأثنين 02 مارس 2015 بواسطة

صفحة للطباعة


شارك هذا الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعي العالمية

Share

صفحة جديدة 1
 

· زيادة حول رواية
· الأخبار بواسطة moner


أكثر مقال قراءة عن رواية:
رواية مذكرات أسير- الفصل الأول في الزنزانة الموسادية أوقعها بدمائي لأهديها : إلى رجال الله ورموز العصر : حافظ الأسد – بشار الأسد – سماحة السيّد حسن نصر الله

صفحة جديدة 1
 

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

صفحة جديدة 1
 


 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

التعليقات لا تمثل بالضرورة رأي الموقع - وإنما تمثل أصحابها فقط .

   
يوجد حاليا, 4104 ضيف/ضيوف يتصفحون الموقع
تم استعراض
3,205,929
صفحة للعرض منذ
8 أيار 2014